خطبة الجمعة باللغة العربية : الحج رحلة مقدسة
التَارِيخُ: 28. 06. 2019
“اَلْحَجُّ: رِحْلَةٌ مُقَدَسَّةٌ “
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَعِزَّاءُ!
يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ هَكَذَا : ﴿ اِنَّ اَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذ۪ي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَم۪ينَۚ. ف۪يهِ اٰيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ اِبْرٰه۪يمَۚ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ اٰمِناًۜ وَلِلّٰهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ اِلَيْهِ سَب۪يلاًۜ وَمَنْ كَفَرَ فَاِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَم۪ينَ ﴾[1]
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَعِزَّاءُ!
كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا الْحَبِيبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اَلْحَجٌّ هُوَ مِنَ الْأَرْكَانِ الْأَسَاسِيَّةِ الْخَمْسَةِ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْبِنَاءُ الْإِسْلاِمِيُّ. نُسُكُ الْحَجِّ هُوَ عِبَارَةٌ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَة وَالطَّوَافِ بِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَةِ اِبْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ. اَلْحَجُّ هُوَ اِجْتِمَاعٌ عُمُومِيٌّ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَدِمُوا فِي رِحْلَةٍ مُبَارَكَةٍ مِنْ جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ حَيْثُ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا كَانُوا فِي بِلاَدِهِم يَتَّجِهُونَ هُنَا قِبْلَةً إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ. يُخَاطِبُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ إِلَى هَؤُلاَءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اِنْطَلَقُوا لِزِيَارَةِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: ﴿ اَلْحَجُّ اَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌۚ فَمَنْ فَرَضَ ف۪يهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّۜ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّٰهُۜ وَتَزَوَّدُوا فَاِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوٰىۘ وَاتَّقُونِ يَٓا اُو۬لِي الْاَلْبَابِ ﴾[2]
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَعِزَّاءُ!
وَمَنْ قَصَدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَدَاءَ فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَخَرَجَ مِن بَيْتِهِ مُسَافِرًا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ هُوَ أَوَّلاً يَلْبَسُ ثِيَابَ الْاِحْرَامِ بِجَسَدِهِ وَلِبَاسَ التَّقْوَى بِرُوحِهِ. وَهُوَ يَعِدُ بِأَنْ يَكُونَ خَاضِعًا لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُطْلَقَةً وَبِأَنْ يَبْتَعِدَ عَنْ كُلُّ ذَنْبٍ وَشَرٍّ وَقُبْحٍ كَامِلَةً. وَهُوَ يُلَبِّي تَلْبِيَةَ الْحَجِّ مُنْشِدًا لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ مَعَ اِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْتَلَفِينَ أَلْوَانُهُمْ وَبِلاَدُهُمْ وَالْمُتَّحِدِينَ عَلَى نَفْسِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ. وَيَقُولُ هَكَذَا:« لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ » [3] وَيُخْبِرُنَا نَبِيُّنَا الْحَبِيبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْأَحْجَارَ وَالْأَشْجَارَ وَحَتَّى اْلأَرْضَ تُرَافِقُ إِلَ صَوْتِ الْمُؤْمِنِ الْمُلَبِّي.[4] وَأَنَّ جَوْقَةَ الْكَوْنِ الرَّائِعَةَ تَنْضَمُّ إِلَى هَذَا دُعَاءِ التَّلْبِيَةِ مَعَ الْحُجَّاجِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْمُحْتَرَمُونَ!
يُبَشِّرُ نَبِيُّنَا الْكَرِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ قَائِلاً: « اَلْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ »[5] وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةَ الْحَجِّ كَامِلَةً وَعَاشَ فِي رِحَابِهِ شَامِلَةً يَشْعُرُ هَذِهِ الْبِشَارَةَ فِي قَلْبِهِ. وَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنَالَ إِلَى هَذِهِ الْبِشَارَةَ يَصْعَدُ اِلَى جَبَلِ عَرَفَاتٍ وَيَتَدَرَّبُ هُنَالِكَ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالْقَرَارِ. يَبْدَا أَنَّ الْعَرَفَةَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الْحُجَّاجُ رُكْنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ يَرْحَلُونَ إِلَى وَادِي الْمُزْدَلِفَةِ لَيْلاً، كَأَنَّهُمْ سَيْلٌ عَارِمٌ اَلَّذيِ يَتَدَفَّقُ مِنْ أَصْقَاعِ اْلأَرْضِ نَحْوَ مَجْرَى الْمُزْدَلِفَة. وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي يَنْتَقِلُونَ إِلَى مَوْقِعِ مِنَى لِرَمْيِ الْجَمَارِ. ذَالِكَ أَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ هِيَ تُفِيدُ التَّوَعِّىَ مِنْ خِلاَلِ الْوُقُوفِ مَرَّةً ثَانِيَةً عِنْدَ حُضُورِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّ رَمْيَ الجَمَارِ فِي مِنَي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّغَلُّبِ عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا بِكُلِّ أَشْكَالِهَا وَالتَّمَنِّى الْوُصُولَ فَقَطْ إِلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
اَلْمُؤْمِنُ الَّذِي يَرْمِى الْحِجَارَةَ إِلَى الشَّيْطَانِ رَمْزًا فِي مَوْقِعِ الْجَمَرَاتِ، فِي الْوَاقِعِ هُوَ يَرْجُمُ نَفْسَهُ الَّتِي تَدْعُوا اِلَى الذَّنْبِ مَعَ الشَّيْطَانِ وَكَذَلِكَ هُوَ يَرْجُمُ طُمُوحَهُ وَشُغُوفَهُ الَّتِي تَدْعُوا إِلَى اِسْتِمْتَاعِ بِمُتْعَةِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ. وَبَعْدَمَا أَتَمَّ الْحَاجُّ وَظِيفَةَ رَمْيِ الْجَمَارِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ عِيدِ الْأَضْحَى يَتَّجِهُ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِيُؤَدِّيَ رُكْنَ زِيَارَةِ الطَّوَافِ. وَبَيْنَمَا يُوَجِّهُ نَظَرَاتِهِ إِلَى أَوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ وَمَعَ هُوَ يُحَوِّلُ قَلْبَهُ إِلَى رَبِّ الْكَعْبَةِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَإِنَّ الْأُضْحِيَّةَ الْمَذْبُوحَةَ أَثْنَاءَ نُسُكِ الْحَجِّ هُوَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَمِنَ الْمَعْرُوفِ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومَ الْهَدْيِ وَلَا دِمَاؤُهُ وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْلَصِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَعِزَّاءُ!
اَلْحَجُّ هُوَ نُقْطَةٌ هَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ الَّتِي تُرْشِدُهُ إِلَى طَرِيقِ اللَّهِ فِي حَيَاتِهِ. وَمَنْ تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ هُوَ يَتَوَشَّحُ بِوَفَاءِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَبِتَسْلِيمِيَّةِ سَيِّدِنَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمَ وَبِتَوَكُّلِ أُمِّنَا هَاجَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَيُنَاضِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُضَحِّي بِرُوحِهِ مِثْلَهُمْ وَلاَ يَتَنَازَلُ مِنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ. كُلُّ حَاجٍّ الَّذِي اَتْبَعَ أَثَرَ أَقْدَامِ نَبِيِّنَا الْحَبِيبِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التُّرَابِ الْمُقَدَّسِ، هُوَ يَتَجَرَّعُ الصَّبْرَ وَيُؤَدِّي الشُّكْرَ وَيَشْعُرُ بِإنْتِعَاشٍ وَسَلاَمَةٍ مَعًا. وَمَنْ أَمْلَأَ خُرْجَهُ بِقُوتِ التَّقْوَى فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمُقَدَّسَةِ، يَجِبِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْكَلِمَاتِ السَّيِّئَةِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ السَّلْبِيَّةِ حَتَّى لاَ تَسْتَهْلِكَ قُوتَهُ فِي الطَّرِيقِ. وَحِينَمَا يُؤَدِّي فَرِيضَةَ الْحَجَّ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَلاَّ يُؤَذِّي أَبَدًا أَيَّ حَيٍّ وَلاَ يَضُرَّ الطَّبِيعَةَ قَطًّا. وَيَجِبُ عَلَى الْحُجَّاجِ مُغَادَرَةَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ خِلاَلِ تَرْكِ كُلِّ جُرُومِهِ وَذُنُوبِهِ الَّتِي اِرْتَبَكَهَا حَتَّى ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي وَرَائِهِ وَيَنْبَغِي أَلاَّ يَرْجِعَ إِلَى هَذِهِ الْأَخْطَاءِ مَرَّةً أُخْرَ فِي حَيَاتِهِ الْمُتَبَقِّيَةِ.
وَبِهَذِهِ
الْوَسِيلَةِ، أَنَا أَتَمَنَّى لِكُلِّ اِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَيَسْتَعِدُّونَ
لِرِحْلَةٍ مُبَارَكَةٍ فِي الْأَيَّامِ الْمُقْبِلَةِ ” حَجًّا مَبْرُوراً وَسَعْياً
مَشْكُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً بِإِذْنِ اللَّهِ ” وَأَخْتَتِمُ خُطْبَتِي
بِهَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ لِنَبِيِّنَا الْحَبِيبِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: « اَلْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ
إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ»[6]
[1] سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، 3/96، 97
[2] سُورَةُ الْبَقَرَةِ، 2/197
[3] الْمُسْلِمُ، بَابُ الْحَجِّ، رَقَمُ الْحَدِيثِ: 19، 21
[4] سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ، بَابُ الْحَجِّ، رَقَمُ الْحَدِيثِ: 14
[5] الْبُخَارِيُّ، بَابُ الْعُمْرَةِ، رَقَمُ الْحَدِيثِ: 1
[6] اِبْنُ مَاجَةَ، بَابُ الْمَنَاسِكِ، رَقَمُ الْحَدِيثِ: 5
اَلْمُدِيرِيّةُ الْعَامَّةُ لِلْخدَمَاتِ الدِّينِيَّةِ